Gut-Health

هل يمكن أن يكون نظامنا الغذائي سبباً للإصابة بداء باركنسون والتوحّد والاكتئاب وغيرها من الأمراض العقلية؟

عدد متزايد من الأبحاث العلمية أثبتت بأن ذلك قد يكون صحيحاً.

هناك اعتقاد سائد بأن الاعتلالات التي تحدث في المزاج والسلوك تنشأ بالضرورة عن مشكلات في الدماغ، لكن أظهرت العديد من الدراسات التي أجريت على النظام العصبي الذي يتحكم بالأمعاء (النظام العصبي المعوي) عدم صحة ذلك. فبينما يتواصل هذا النظام مع الدماغ لضبط أمور مثل الشهية وغيرها، فعندما تتغير بيئة الأمعاء يحصل اضطراب في هذا التواصل، ما يؤدي إلى مشكلات في المزاج والسلوك.

وهذا ما يفسّر الأعراض “المُحيّرة” التي تظهر على الأمعاء، والتي يعاني منها المرضى المصابون بالأمراض العصبية والعكس صحيح.

وعلى سبيل المثال، يعاني مرضى داء باركنسون من أعراض الإمساك وأعراض أخرى ذات صلة بالأمعاء، وذلك قبل عشرة أعوام من بدء ظهور الأعراض المعتادة للتدهور الحركي الناجم عن داء باركنسون. كما أظهرت التقارير الصادرة في الولايات المتحدة أن نسبة مرضى القولون العصبي الذين يعانون من اضطرابات نفسية مثل القلق أو الاكتئاب تراوح بين 50 و90%.

ما هي إذاً الآلية التي يحدث بها ذلك؟ وهل لنوعية طعامكم أو توقيت تناولكم له أو كميته علاقة بالخلل الوظيفي في الأمعاء والذي يطلق العنان لمشكلات ذات صلة بصحة العقل؟

للحصول على إجابة لهذا السؤال علينا النظر عميقاً في الأمعاء واستكشاف كل ما يتعلق بالجراثيم الموجودة فيها.

تأثير جراثيم الأمعاء على الصحة

يشير مصطلح “الجراثيم الموجودة في الأمعاء” إلى عدد يصل إلى 100 تريليون من الكائنات الدقيقة التي تعيش في الأمعاء. وتضم هذه الكائنات الحية الفطريات والبكتريا، وهي معنية بالحفاظ على الأداء الطبيعي لوظائف متعددة مثل التمثيل الغذائي وامتصاص المواد الغذائية والمناعة. ومن المعروف أن حدوث اضطراب في العمل الدقيق والمتوازن لهذه المجموعة من الجراثيم – سواء زيادة أو نقصان بعض هذه الكائنات الدقيقة ذات الأهمية – سوف يؤدي إلى حصول مشكلات في الجهاز الهضمي مثل مرض التهاب الأمعاء.

ومن المعروف أن حدوث اضطراب في العمل الدقيق والمتوازن لهذه المجموعة من الجراثيم – سواء زيادة أو نقصان بعض هذه الكائنات الدقيقة ذات الأهمية – سوف يؤدي إلى حصول مشكلات في الجهاز الهضمي مثل مرض التهاب الأمعاء.

ولكن هذا ليس كل ما في الأمر.

إذ أصبح شائعا الآن، أن حصول خلل في عمل الجراثيم الموجودة في الأمعاء ينجم عنه تداعيات تتجاوز التأثيرات التي تطال الأمعاء.

اكتشف العلماء منذ زمن أن الجراثيم الموجودة في الأمعاء والمواد التي تفرزها (المعروفة بالمستقلبات) تؤثر بشكل مباشر على قدرة الأمعاء على العمل كما يجب، أي نن أية زيادة أو نقصان لبكتيريا وفطريات  الأمعاء يمكن أن يؤثر على نفوذية الأمعاء وعلى سهولة امتصاص الجسم للمواد الغذائية وكذلك على الحركة الطبيعية للأمعاء. لهذا السبب فإن حدوث خلل في الأمعاء مثل القولون العصبي غالباً ما يأتي بعد حصول تسمم غذائي أو بعد حصول إنتانات في الأمعاء تؤثر على التوازن الطبيعي للبكتيريا والفطريات والفيروسات الموجودة في الأمعاء.

من جهة أخرى، فقد أظهرت الدراسات الحديثة أن الجراثيم الموجودة في الأمعاء والمستقلبات الناتجة عنها قادرة على تغيير نشاط النظام العصبي المعوي، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى حدوث تغييرات في السلوك والنشاط الطبيعي للدماغ. يحدث هذا من خلال الناقلات العصبية، وهي المواد الكيماوية التي تفرزها الخلايا العصبية لنقل المعلومات المهمة بين النظام العصبي وخلايا الجسم الأخرى.

كيف تتواصل الأمعاء مع الدماغ؟

هل سمعت بهرمون “السيروتونين”؟ إنه أحد الناقلات العصبية التي يطلقها دماغك بعد القيام بنشاطات مثل تناول الشوكولا أو الضحك، وهو السبب في أنك تكون بعدها في حالة مزاجية جيدة. ولكن هل تعلم بأن العلماء يعتقدون حالياً بأن ما نسبته 95% من “السيروتونين” يُصنع في الأمعاء وليس في الدماغ؟

أظهر بحث أجري في الولايات المتحدة أن “السيروتونين” ينتجه نوع محدد من الخلايا العصبية الموجودة في الأمعاء تدعى الخلايا المعوية المُحبّة للكروم؛ والوظيفة الرئيسة لهذا الهرمون هي تعديل نشاط النظام العصبي المعوي، ولكن المثير في الأمر، أن كمية “السيروتونين” التي تصنعها الخلايا المذكورة أعلاه، تعتمد على التوازن المحقق في الجراثيم الموجودة في الأمعاء؛ فعندما درس الباحثون نشاط الخلايا المعوية المُحبّة للكروم لدى الفئران، وجدوا بأن الفئران التي تفتقر إلى الميكروبات المفترض وجودها بشكل طبيعي في الأمعاء تصنع كمية من “السيروتونين” المعوي أقل بنسبة 60% من تلك التي تتمتع بمستويات طبيعية من بكتيريا الأمعاء.

لكن “السيروتونين” ليس هو الناقل العصبي الوحيد الذي يعتمد على بكتيريا الأمعاء، فبحسب ما توصلت إليه الأبحاث التي نُشرت هذا العام، فإن العصيّات اللبنية والبكتيريا المشطورة (وهي أنواع شائعة من هذه البكتيريا) تنتج حمض “البيوتيريك الغاما أميني”، وهو ناقل عصبي معروف بتأثيره الإيجابي في تهدئة القلق. ولطالما عُرف عن العصيّات اللبنية أنها تنتج “الأستيلكولين” وهو الناقل العصبي المسؤول عن جعلنا متنبّهين. وبحسب ما أفاد به أحد العلماء المختصين ببكتيريا الأمعاء فإن أنواعاً من هذه البكتريا مثل العصيّات والسيراتيا تنتج “الدوبامين”، وهو الهرمون الذي يُحفّزنا على القيام بالأمور المجزية.

ليس فقط ما تنتجه الناقلات العصبية في الأمعاء يربط الوسط الجرثومي المعوي بالدماغ، ولكن هناك دور للخلايا المناعية أيضاً ، فأمعاؤك لديها جهاز مناعي واسع يعمل على حماية الجسم من الإنتان والالتهاب والأذية؛ فعندما يتعرض الجسم لهجوم من قبل عضويات غريبة تبدأ خلايا الجهاز المناعي (سواء في الجهاز الهضمي أو في أي مكان آخر من الجسم) بإفراز مواد مهمتها مقاومة الإنتان. وأثبتت العديد من الدراسات وجود روابط بين مجموعة من الجزيئات المعنية بعملية الاستجابة المناعية المسماة “السيتوكينات الالتهابية” من جهة والإصابة بمرض الاكتئاب من جهة أخرى.

وأثبتت العديد من الدراسات وجود روابط بين مجموعة من الجزيئات المعنية بعملية الاستجابة المناعية المسماة “السيتوكينات الالتهابية” من جهة والإصابة بمرض الاكتئاب من جهة أخرى.

 Gut-Brain-2

كيف يمكن للمضادات الحيوية أن تخل بتوازن الأمعاء

باعتباري من المدافعين عن الطب الترميمي، فأنا أركز على تعليم الناس كيفية المحافظة على وسط جرثومي معوي جيد التوازن في أجسامهم، ذلك أن الرابط بين البيئة الجرثومية للأمعاء ووظيفة الدماغ تضفي المزيد من الأهمية لفكرة ضرورة الانتباه إلى ما تتناولونه من طعام. إن الأمعاء تقوم بعمل عظيم في تحقيق توازن مستويات البكتيريا والفطريات فيها بما يضمن قيامها بوظيفتها على نحو ملائم. ولكن هذا التوازن الدقيق يمكن أن يختل بسهولة عن طريق تناول أو شرب أشياء من شأنها قتل العضويات الدقيقة المعوية.

ويشمل ذلك الأدوية لاسيما المضادات الحيوية منها.

وبالرغم من أن الأدوية فعّالة في معالجة الإنتانات، غير أن البيانات الحديثة القادمة من الولايات المتحدة تشير إلى وجود سوء استخدام شائع للمضادات الحيوية، إذ أظهرت الدراسات أن واحدة من كل ثلاث وصفات لهذه المضادات المحررة في أمريكا غير ضرورية على الإطلاق. وهذه المشكلة موجودة أيضاً في الإمارات العربية المتحدة حيث أظهر عرضٌ أجري في عام 2016 أن العديد من الصيدليات تقوم بصرف المضادات الحيوية للمرضى من دون وصفات طبية، وذلك خلافاً لتعليمات وزارة الصحة.

ولكن ليس الصيادلة فقط من يشارك في الاستخدام غير الضروري للمضادات الحيوية في  الإمارات العربية المتحدة، فلقد أظهرت دارسة أجريت عام 2012 أن العديد من الأطباء فيها ما يزالون يحررون على نحو غير صحيح وصفات المضادات الحيوية في حالات نزلات البرد والتهابات الحنجرة.

إن تناول الكثير من هذه الأدوية ولفترات طويلة من شأنه أن يقتل سلالات البكتيريا التي تحتاجها الأمعاء للقيام بوظيفتها على أكمل وجه. وإذا ما أردت الحفاظ على صحة أمعائك، فالخطوة الأولى هي تجنّب تعاطي المضادات الحيوية غير الضرورية. فعلى سبيل المثال، ليست هناك حاجة لتناول المضادات الحيوية إذا كنت تعاني من نزلة برد لأن البرد العادي يسببه فيروس وليس بكتيريا، لذلك فإن المضادات الحيوية لن تساعد في شيء.

وعندما تكون هناك حاجة فعلية لتناول المضادات الحيوية بغرض مقاومة إنتان بكتيري، يمكنك منع هذه المضادات من التسبب بإضعاف البكتيريا المعوية وذلك من خلال رفع مستويات البكتيريا “المفيدة” عبر تناول المكملات الغذائية التي تُحفّز نمو البكتيريا المفيدة (probiotic supplement) أو أطعمة طبيعية مثل اللبن الحي أو المشروبات الفوارة أو الخضراوات المخللة. ومع أن الفوائد الصحية للمكملات الغذائية التي تُحفّز نمو البكتيريا المفيدة تبقى محل جدلٍ بين العلماء، إلا أنه هنالك فائدة واحدة لها -يتفق العلماء عليها- وهي حماية الأمعاء خلال فترة تعاطي المضادات الحيوية.

ما  مكونات النظام الغذائي الصديق للأمعاء؟ 

إن اعتماد نظام غذائي صديق للأمعاء هو طريقة أخرى للحفاظ على بيئة جرثومية معوية صحية؛ ويبدأ ذلك بالحد من تناول الأطعمة السكرية والكربوهيدرات المكررة أو المعالجة التي تشجع على نمو العضويات البكتيرية المعوية “الضارة” مثل الكانديدا البيضاء (Candida albicans) وهي نوع من الخمائر الفطرية التي تتغذى بالسكر وتوجد بكمية صغيرة في البيئة الجرثومية المعوية. وهي مفيدة بكميتها المحدودة لعملية الهضم الصحي، أما إذا ازدادت كميتها فيمكنها أن تُحدث ضرراً في جدار الأمعاء، الأمر الذي يسمح للفطريات بالدخول إلى مجرى الدم والتسبب في انتشار الإنتان. فزيادة كمية الخمائر هذه تخلق لدينا شعوراً مزمناً بالتعب، ورغبة في تناول السكريات والأطعمة السريعة الغنية بالكربوهيدرات المكررة.

عليك إذاً أن تتوقف عن تناول الكربوهيدرات والسكريات إذا ما أردت أن تحافظ على الصحة المُثلى لأمعائك (وأن تحصل على الكربوهيدرات الضرورية من مصادرها الطبيعية مثل الخضراوات والفواكه والجوز والبذور). عليك أيضاً أن تراقب استهلاكك للمشروبات الكحولية، إذ وجد الباحثون في العام 2015 بأن تناول كميات كبيرة منها وبتواتر كبير من شأنه أن يُخلّ بتوازن البيئة الجرثومية المعوية، ويجعل الأمعاء راشحة ويُشجّع على إنتاج الكيماويات الالتهابية المسماة السموم الداخلية.

عليك إذاً أن تتوقف عن تناول الكربوهيدرات والسكريات إذا ما أردت أن تحافظ على الصحة المُثلى لأمعائك، (وأن تحصل على الكربوهيدرات الضرورية من مصادرها الطبيعية مثل الخضراوات والفواكه والجوز والبذور). عليك أيضاً أن تراقب استهلاكك للمشروبات الكحولية.

العلم واضح بهذا الشأن: فما تتناوله من طعام يمكنه حقاً أن يؤثر على صحتك بشكل عام، وكذلك على مزاجك وحالتك العقلية، وذلك من خلال التدخّل في الطريقة التي “تتحدث” بها العضويات الجرثومية المعوية الدقيقة مع دماغك. والخبر الجيد هو أنك أصبحت قادراً اليوم على التحكم بصحة أمعائك من دون الحاجة إلى استخدام أية أدوية أو اللجوء إلى خطط معالجة مُعقدّة.

ببساطة، عليك أن تتوقف عن تناول الأطعمة السكرية المعالجة والمشروبات الكحولية، وكذلك عن تطبيق أي من الأنظمة الغذائية الغربية السيئة، كما عليك أن تضيف المكملات الغذائية التي تُحفّز نمو البكتيريا المفيدة إلى طعامك اليومي؛ ولا تنسَ إعطاء الأولوية للحصول على نوم جيد أثناء الليل.

[Total: 0    Average: 0/5]
0 ردود

اترك رداً

انضم إلى المحادثة
وشاركنا رأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 + 16 =

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.