fasting-3

أوضحت دراسة حديثة أُجريت تحت إشراف جامعة كاليفورنيا الجنوبية أن نظامًا غذائيًا يحاكي عملية الصيام يمكن أن يؤدي إلى تخفيف أعراض السكّري عن طريق إعادة برمجة خلايا الجسم. فالنظام الغذائي الذي يحاكي الصيام يعمل على تحفيز نمو خلايا بنكرياسية جديدة مسؤولة عن إفراز الأنسولين، وهو ما أدى إلى تخفيف أعراض داء السكّري من النوعين الأول والثاني في الفئران، وذلك بحسب الدراسة التي أجريت على الفئران والخلايا البشرية تحت إشراف فالتر لونجو، مدير معهد إطالة العمر في كلية ليونارد ديفيس لعلم الشيخوخة بجامعة كاليفورنيا الجنوبية. نُشرت الدراسة بتاريخ 23 فبراير، 2017 في مجلة “Cell” وهي الدراسة الأحدث ضمن سلسلة دراسات توضّح الآثار الصحية المفيدة لنظام غذائي قصير المدة يحاكي الصيام بالاعتماد على الماء فقط.

يُعرف مرض السكّري بأنه حالة من حالات سميّة السكّر، حيث تحدث مقاومة الأنسولين بسبب زيادة امتلاء الخلايا بالغلوكوز. وكما هو الحال عند مقاومة بالون منتفخ لمحاولة ضخ المزيد من الهواء داخله، تقاوم الخلايا الغلوكوز لأنها ممتلئة تمامًا. ويمكن أن تؤدي مقاومة الأنسولين إلى إلحاق ضرر كبير بصحتك، حيث تتسبب في حدوث 42% من النوبات القلبية.

فضلًا عن تخفيف آثار السكري، ما هي التغيرات الإيجابية الأخرى التي تحدث في الجسم أثناء الصيام؟

هرمون النمو البشري: يؤدي الصيام إلى زيادة مستوى هرمون النمو نحو 5 مرات، ويترتب على ذلك عدة فوائد منها على سبيل المثال فقدان الدهون وبناء المزيد من العضلات.

الأنسولين: يؤدي الصيام أيضًا إلى تخفيف أعراض حساسية الأنسولين وخفض مستويات الأنسولين بدرجة كبيرة، وهو ما يسهّل الوصول إلى الدهون المخزنة في الجسم.

تجديد الخلايا: أثناء الصيام، تقوم خلايا الجسم بعمل تجديد خلوي يتضمن عملية “الالتهام الذاتي”، وفيها تتخلص الخلايا من البروتينات التالفة وغير المرغوب فيها التي تتراكم بداخلها.

التعبير الجيني: تحدث بعض التغيرات أيضًا في وظائف الجينات المرتبطة بطول العمر والوقاية من الأمراض.

طول العمر: من أهم الآثار المترتبة على الصيام المتقطع أنه يساعد في إطالة العمر المتوقّع وتحسين الحالة الصحية بوجه عام. ففي دراسة أجريت على الفئران، عاشت الفئران التي وُضعت على نظام غذائي شبيه بالصيام بنسبة 83% أطول من الفئران الأخرى كانت تتبع نظامًا غذائيًّا عاديًّا.

للصيام أيضًا آثار بالغة الأهمية على صحة العقل.

يشير العلماء إلى المخ على أنه أكثر الأشياء تعقيدًا في الكون؛ فهو يحتوي على 70 مليار خلية عصبية وأكثر من 200 تريليون رابط يربط بين هذه الخلايا. والمخ أيضًا هو أكثر أعضاء الجسم نشاطًا في عملية التمثيل الغذائي في الجسم (بمعنى أنه يتطلب القدر الأكبر من الطاقة لكل وحدة وزن). ولذا، فرغم أنه يزن ما يزيد قليلًا عن 1300 جرام – أي نسبة ضئيلة للغاية من وزن الجسم – فإنه يحصل على 25% من مقدار الطاقة التي ينتجها القلب كل ثانية.

يوجد المخ داخل الجمجمة ويحيط به سائل يعمل على تقليل وزنه ليصل إلى 50 جرامًا فقط، ويساعد كذلك في حماية المخ من الحركة السريعة التي قد تتسبب في إصابته لولا وجود هذا السائل. يتكون المخ من الدهون والماء، ويستخدم لغة الإشارات الكهربائية للتواصل مع باقي أعضاء الجسم حيث يقوم بإرسال المعلومات عن طريق حزم صغيرة من الشحنات الكهربائية.

يحتاج المخ إلى الغلوكوز لأداء وظائفه، وهو ما قد يفسر إقبالنا على تناول السكريات. أما خلال فترات الجوع الطويلة، وغالبًا خلال الصيام في نهار رمضان، يمكن للمخ تحويل عملية التمثيل الغذائي بداخله بحيث يستخدم ناتج تكسير الدهون وهي الأجسام الكيتونية. والحقيقة أن الأشخاص الذين يبذلون جهدًا بدنيًا كبيرًا أثناء الصيام عادةً ما يشمّون رائحة الكيتونات – الشبيهة برائحة الأسيتون – في أنفاسهم.

تتكون الأجسام الكيتونية في الكبد عندما ينفد مخزون الغلايكوجين – وهو أحد صور تخزين السكر. عندما ينفد مخزون الغلايكوجين، يبدأ تكسير الدهون وتكوين الأجسام الكيتونية. وجدير بالذكر أن المخ يستطيع التحول تمامًا من استخدام الغلوكوز إلى استخدام الكيتونات بعد ثلاثة أيام لا يدخل خلالها الجسم أي غلوكوز على الإطلاق.

ونظرًا لأننا نزود أجسامنا بالغلايكوجين يوميًا في رمضان (عن طريق تناول وجبتي السحور والإفطار)، فإن المخ لا يتحول بالكامل إلى استخدام الأجسام الكيتونية، ولهذا السبب ربما نجد صعوبة في التركيز في منتصف اليوم.

تُعرف الكيتوزية (فرط كيتون الجسم) بأنها عملية تمثيل غذائي طبيعية لها عدة فوائد صحية. فعند الدخول في حالة الكيتوزية، يقوم الجسم بتحويل الدهون إلى مركبات تُعرف باسم الكيتونات ويبدأ استخدامها كمصدر رئيسي للطاقة. إلا أن الوصول إلى حالة الكيتوزية يحتاج بعض الجهد والتخطيط؛ فهو ليس سهلًا مثل تقليل الكربوهيدرات على سبيل المثال.

فيما يلي سبع نصائح فعالة لمساعدة الجسم في دخول حالة الكيتوزية:

  1. تقليل استهلاك الكربوهيدرات

اتباع نظام غذائي قائم على تقليل الكربوهيدرات هو الوسيلة الأنسب للوصول إلى حالة الكيتوزية.

عادةً ما تستخدم خلايا الجسم الغلوكوز، أو السكر، كمصدر رئيسي للطاقة. لكن يمكن لمعظم الخلايا استخدام مصادر أخرى للطاقة، ومن بينها الأحماض الدهنية والكيتونات.

يقوم الجسم بتخزين الغلوكوز في الكبد والعضلات في صورة غلايكوجين. عندما يقل استهلاك الكربوهيدرات للغاية، تقل نسبة الغلايكوجين المخزّن وتنخفض نسبة الأنسولين، وهو ما يؤدي إلى تكون الأحماض الدهنية من الدهون المخزنة في الجسم. يقوم الجسم بتحويل بعض هذه الأحماض الدهنية إلى أجسام كيتونية مثل الأسيتون، والأسيتو أسيتات، والبيتا هيدروكسي بوتيرات، وهذه الأجسام الكيتونية تصبح مصدرًا للطاقة في بعض أجزاء المخ.

خلاصة القول إذن أن تقليل تناول الكربوهيدرات إلى 20-50 جرامًا يوميًا يقلل مستويات السكر في الدم والأنسولين، وهو ما يؤدي إلى إنتاج الأحماض الدهنية المخزنة في الجسم والتي يقوم الكبد بتحويلها إلى أجسام كيتونية.

  1. تناول زيت جوز الهند

يساعد تناول زيت جوز الهند في دخول الجسم إلى حالة الكيتوزية نظرًا لاحتوائه على الدهون المعروفة باسم الجليسريدات الثلاثية متوسطة الحلقات (MCTs). وعلى عكس معظم الدهون، يتم امتصاص الجليسريدات الثلاثية متوسطة الحلقات بسرعة وتنتقل مباشرة إلى الكبد حيث يتم استخدامها على الفور للحصول على الطاقة أو لتحويلها إلى أجسام كيتونية. ويُعتقد أن تناول زيت جوز الهند هو الوسيلة المثلى لزيادة نسبة الكيتونات لدى الأشخاص الذين يعانون من مرض ألزهايمر وغيره من اضطرابات الجهاز العصبي. كما تستخدم الجليسريدات الثلاثية متوسطة الحلقات أيضًا في تحفيز دخول الجسم في حالة الكيتوزية لدى الأطفال المصابين بالصرع دون الحاجة لمنع استهلاك الكربوهيدرات تمامًا كما هو الحال في النظام الغذائي القائم على توليد الكيتونات بالطريقة التقليدية.

ورغم احتواء زيت جوز الهند على أربعة أنواع من الجليسريدات الثلاثية متوسطة الحلقات، فإن 50% من الدهون به تأتي من حمض اللوريك. ومن المعروف أن مصادر الدهون التي تحتوي على نسب عالية من حمض اللوريك تؤدي إلى استمرار حالة الكيتوزية لفترة أطول لأنها تخضع لعملية التمثيل الضوئي بصورة تدريجية على عكس الأنواع الأخرى من الجليسريدات الثلاثية متوسطة الحلقات. وهكذا فإن اتباع نظام غذائي غني بالجليسريدات الثلاثية متوسطة الحلقات ويحتوي على 20% من الكربوهيدرات يحقق نفس النتائج التي يحققها النظام الغذائي التقليدي القائم على توليد الكيتونات والذي يُنتج أقل من 5% من السعرات الحرارية من الكربوهيدرات.

  1. النشاط البدني

يساعد النشاط البدني في دخول الجسم في حالة الكيتوزية، كما أن ممارسة التمرينات الرياضية أثناء الصيام يرفع مستويات الكيتونات. فأثناء ممارسة الرياضة، يقوم الجسم باستهلاك مخزونه من الغلايكوجين، ويتجدد هذا المخزون مرة أخرى عند تناول الكربوهيدرات التي تتحلل إلى غلوكوز ثم تتحول إلى غلايكوجين. أما عندما يقل استهلاك الكربوهيدرات إلى الحد الأدنى، يظل مخزون الغلايكوجين منخفضًا. ونتيجةً لذلك، يقوم الكبد بإنتاج المزيد من الأجسام الكيتونية التي يمكن استخدامها كمصدر بديل لتزويد العضلات بالطاقة.

  1. زيادة استهلاك الدهون الصحية

يؤدي استهلاك كميات كبيرة من الدهون الصحية إلى زيادة مستويات الكيتونات ومساعدة الجسم على الدخول في حالة الكيتوزية. وفي حالة الأنظمة الغذائية القائمة على توليد الكيتونات من أجل فقدان الوزن والحفاظ على صحة التمثيل الغذائي، يتم الحصول على نحو 60-80% من السعرات الحرارية من الدهون. أما النظام الغذائي التقليدي القائم على توليد الكيتونات والمستخدم في حالات الصرع، فيكون أكثر اعتمادًا على الدهون التي تكون مصدرًا لنحو 85-90% من السعرات الحرارية.

ومن بين الدهون المفيدة زيت الزيتون، وزيت الأفوكادو، وزيت جوز الهند، والزبدة، والشحوم الحيوانية، وكذلك الأطعمة الغنية بالدهون والتي تحتوي على نسب منخفضة من الكربوهيدرات. أما إذا كنت تسعى إلى فقدان الوزن، فمن الضروري أن تتأكد أنك لا تستهلك الكثير من السعرات الحرارية إجمالًا، إذ قد يؤدي ذلك إلى توقف فقدان الوزن.

خلاصة القول أن الحصول على 60% على الأقل من السعرات الحرارية من الدهون يمكن أن يساعد في زيادة مستويات الكيتونات. اعتمد على المصادر النباتية والحيوانية معًا للحصول على مجموعة متنوعة من الدهون الصحية.

  1. الصيام على فترات متقطعة

يمكن الاستفادة من الصيام المتقطع، وهو نظام غذائي يتضمن الصيام لفترات متكررة قصيرة المدة، في تحفيز دخول الجسم في حالة الكيتوزية. بطبيعة الحال يدخل الكثير من الأفراد في حالة معتدلة من الكيتوزية بين وجبتي العشاء والإفطار. أما الأطفال المصابون بالصرع، فأحيانًا يُطلب منهم الصوم لمدة 24-48 ساعة قبل البدء في نظام غذائي قائم على توليد الكيتونات، حتى يسهل الدخول سريعًا في حالة الكيتوزية ومن ثم تقليل مقدار التشنجات في أقل وقت ممكن.

يُعد “الصيام القائم على الدهون” أيضًا من وسائل تعزيز الوصول إلى حالة الكيتوزية. ويتضمن هذا الأسلوب استهلاك 1000 سعر حراري يوميًا على أن يكون 85-90% من هذه السعرات من الدهون. فالجمع بين السعرات الحرارية القليلة واستهلاك الكثير من الدهون يمكن أن يحقق الوصول السريع لحالة الكيتوزية. ونظرًا لأن هذا النظام الغذائي يحتوي على القليل من البروتين والسعرات الحرارية، فإنه يجب اتباعه لمدة تتراوح بين ثلاثة إلى خمسة أيام بحد أقصى لتفادي فقدان كتلة العضلات. وفي بعض الأحيان يكون من الصعب اتباع هذا النظام لمدة تتجاوز اليومين.

  1. الاعتدال في تناول البروتين

الدخول في حالة الكيتوزية يتطلب الاعتدال وعدم الإفراط في تناول البروتين. فمن الضروري أن نستهلك كمية من البروتين تكفي لتزويد الكبد بالأحماض الأمينية التي يمكن استخدامها لاستحداث أو تخليق الغلوكوز. وفي هذه العملية، يوفر الكبد الغلوكوز لبعض خلايا وأعضاء الجسم التي لا تستطيع استخدام الكتيونات كمصدر للطاقة مثل خلايا الدم الحمراء وأجزاء من الكليتين والدماغ. ثانيًا، ينبغي أن يكون استهلاك البروتين كافيًا الحفاظ على كتلة العضلات في الجسم عندما يقل استهلاك البروتين، وتحديدًا أثناء عملية فقدان الوزن.

  1. فحص مستوى الكيتونات وتعديل النظام الغذائي

كما هو الحال مع الكثير من الأمور في علم التغذية، فإن الوصول إلى حالة الكيتوزية والحفاظ عليها أمر شخصي تمامًا ويختلف من فرد إلى آخر. ولذلك، ربما يجدر بك فحص مستويات الكيتونات لضمان الوصول إلى النسب المرغوبة. ويمكن قياس أنواع الكيتونات الثلاثة – الأسيتون، والبيتا هيدروكسي بوتيرات، والأسيتو أسيتات – من خلال النَفَس أو الدم أو البول. ومن خلال قياس مستوى الكيتونات لديك، يمكنك تحديد ما إذا كنت بحاجة إلى تعديل نظامك الغذائي للوصول إلى حالة الكيتوزية.

للصيام إذن فوائد عديدة حيث يؤثر على العديد من الجوانب في صحتنا النفسية والجسدية شريطة أن نحافظ على تقليل استهلاك الكربوهيدرات إلى الحد الأدنى عند الإفطار. ابتعد عن العصائر الغنية بالسكر وقلل استهلاكك من الخبز، والأرز، والمعكرونة، والحلوى، والتمور قدر الإمكان. احرص أيضًا على إضافة زيت جوز الهند العضوي، وزيت الزيتون، والمكسرات، والأفودكادو، وعيش الغراب، والبروكلي، والسلطة، وبعض البقوليات، إلى نظامك الغذائي للحصول على أفضل النتائج.

[Total: 0    Average: 0/5]
0 ردود

اترك رداً

انضم إلى المحادثة
وشاركنا رأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 + واحد =

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.