antibiotics

 

كشفت الدراسات والإحصاءات عن أن العالم مجتمعاً يستهلك اليوم المضادات الحيوية بمعدلات تفوق بأشواط معدلات استهلاكها في أي زمن مضى. فقد بيّنت دراسة هي الأكبر من نوعها حول استهلاك المضادات الحيوية، نُشرت سنة 2014، أن الباحثين في جامعة برنستون الأميركية توصلوا إلى تحديد أن معدّل تناول البشر للمضادات الحيوية قد ارتفع بنسبة 36 في المئة خلال عقد واحد من الزمن.

فما الأسباب التي أدت إلى هذا الارتفاع الحادّ وما آثاره علينا وعلى صحتنا؟

من البديهي أن نقول إن المضادات الحيوية ضرورة لا بدّ منها في حالات معيّنة، لاسيما في علاج الالتهابات الجرثومية الخطرة مثلاً، فالأثر الإيجابي الذي خلّفه اكتشاف المضادات الحيوية غنيّ عن الذكر، خصوصاً أنها كانت الدواء الساحر الذي أسهم مساهمة كبرى ومباشرة في علاج حالات كانت تعتبر فتّاكة ومميتة حتى وقت قريب مضى.

ولكن هذا ليس بيت القصيد.

فالواقع المقلق هو أن العالم يشهد حالياً إفراطاً وتمادياً كبيرين في تداول المضادات الحيوية واستهلاكها، حتى إن المركز الأمريكي لمكافحة الأمراض والوقاية منها (سي. دي. سي.) يقدّر بأن ثلث الكمية المستخدمة من المضادات الحيوية، لا بل نصفها تقريباً، يُستهلك دونما وجه ضرورة، أو بشكل غير مناسب، وهو ما يعادل 47 مليون وصفة طبية سنوياً في الولايات المتحدة وحدها.

ولا يختلف الوضع كثيراً هنا في دولة الإمارات، حيث يستمرّ عدد كبير من الصيدليات في بيع المضادات الحيوية من دون وصفة طبية على الرغم من القوانين والأحكام التي تحظر ذلك، وغالباً ما تُصرف هذه الأدوية بشكل غير ضروري. وهو ما لا يُعدّ استخداماً باطلاً للدواء فحسب، بل يسهم أيضاً في إيجاد حالة أكثر خطورة ألا وهي مقاومة المضادات الحيوية.

يقدّر المركز الأمريكي لمكافحة الأمراض والوقاية منها (سي. دي. سي.) بأن ثلث الكمية المستخدمة من المضادات الحيوية، لا بل نصفها، يُستهلك دونما وجه ضرورة أو بشكل غير مناسب.

المخاطر الكامنة في ظاهرة مقاومة المضادات الحيوية

تلوح هذه الظاهرة عندما تتحوّل طبيعة البكتيريا فتكتسب مناعةً تجاه هذا النوع من العقاقير. ومتى انتقلت إلى البشر، يصبح من الصعب، لا.. بل شبه مستحيل، القضاء عليها لأنها لم تعد تتأثر بأي شكل بالمضادات الحيوية.

وقد بلغت قضية مقاومة المضادات الحيوية درجة متقدمة من الحدّة، حتى إن منظمة الصحة العالمية سلّطت الضوء عليها في العام الفائت واصفةَ إياها بأنها “تشكّل أحد أكبر التهديدات التي تواجه الصحة العالمية، والأمن الغذائي والتنمية في وقتنا الحاضر”. وفي الولايات المتحدة، يُعتقد بأن ما نسبته 30 في المئة من ذريات الاشريكية القولونية، المعروفة بمرض الإي كولاي، مقاومة لأحد أصناف المضادات الحيوية المستخدمة بشكل شائع في علاج المرض. وتترافق هذه الإحصائية مع تقرير صادر عن المركز الأميركي لمكافحة الأمراض والوقاية منها، يبيّن أن أكثر من مليوني شخص في الولايات المتحدة يُصابون سنوياً بذريات مقاومة للعقاقير، حيث يلقى أكثر من 23 ألفاً منهم مصرعهم نتيجة لذلك.

لذا، وإن كنّا حريصين على المحافظة على الإنجازات الطبية التي تحققت بفضل المضادات الحيوية، فإننا مطالبون اليوم باليقظة التامة والوقوف على مسئولياتنا. وقد تكون المسئولية الأهمّ في هذا السياق ملقاة على عاتق الأطباء والمتخصصين، فمن واجبهم الحرص والتشديد على عدم وصف هذه الأدوية إلا عند الضرورة. ويتحمّل عامّة الناس أيضاً جزءاً كبيراً من المسؤولية، فعليهم أن يثقفوا أنفسهم حول دواعي تناول المضادات الحيوية وحول العواقب غير المحمودة التي قد تنتج عن الإفراط في استخدامها.

المضادات الحيوية – مبادئ أساسية

لنسرد هنا لائحة سريعة تتضمن معلومات أساسية عن المضادات الحيوية، ودواعي استخدامها وعواقب الإفراط في تناولها.

من المقبول: تناول المضادات الحيوية وفقاً للتعليمات المذكورة في الوصفة الطبية. عليك بإكمال علاج المضادات الحيوية حتى نهايته حسب الوصفة الطبية حتى ولو شعرت بتحسن، فالبكتيريا التي تكون متبقية في جسدك عندما تتوقف عن تناول الدواء يمكنها أن تنمو وتتطور لتقاوم الدواء في حال أصبت بالعدوى عينها مرة أخرى.

من غير المقبول: أن تتناول مضادات حيوية متبقية لديك من فترة علاج سابقة، فلا سبيل لديك لمعرفة ما إذا كانت حالتك المرضية الجديدة ناتجة عن الذرية السابقة نفسها، أو عن أي ذرية من البكتيريا تحديداً.

من المقبول: أن تستشير طبيبك حول الوسائل الأخرى التي يمكن اتباعها للتخفيف من أعراض المرض. ففي حين أن المضادات الحيوية قد تكون ناجحة في علاج مرضك، إلا أنها قد لا تكون ضرورية.

من غير المقبول: إياك والضغط على طبيبك المعالج لكي يصف لك المضادات الحيوية. فغالباً ما نرى أن المضادات الحيوية توصف لطمأنة المريض أكثر منه لتأدية الغرض المقصود منها.

من المقبول: أن تعدّ جسدك لمقاومة بعض الأمراض بشكل طبيعي. صحيح أن المضادات الحيوية هي الحلّ الأسرع لتخفيف حدة الالتهاب، إلا أنه من المستحسن والأفضل لسلامتك على المدى الطويل أن تسمح لجسمك بمقاومة المرض باستخدام دفاعاته الطبيعية، لاسيما إن كان الالتهاب خفيفاً ولا خوف من مضاعفات خطيرة له.

من غير المقبول: أن تتناول مضادات حيوية تمّ وصفها لشخص آخر لمجرّد أنك مصاب بالأعراض عينها، ففضلاً عن أن الدواء لن يكون فعالاً على الأرجح، فإنه قد يسمح بتكاثر البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.

إطار المسؤولية –مجهود جماعي

آمل أن يكون كل ما ذكرناه سابقاً وافياً لتدرك كيفية مقاربة مسألة تناول المضادات الحيوية. إن المسألة الأساسية هنا هي في تحمّل المسؤولية، فكفانا تمادياً في تجاهل المخاطر الناجمة عن مقاومة المضادات الحيوية. ولستُ أبالغ إن قلت إن هذا الارتفاع الحادّ في مستويات مقاومة المضادات الحيوية، والذي غالباً ما يُصرف النظر عنه كما لو كان مغالاة في الترويع، لهو أكبر مصدر للخوف يتملّكني منذ بدأت بممارسة مهنة الطب.

وهذا ليس رأيي أنا وحدي، فقد أصدرت منظمة الصحة العالمية بهذا الخصوص إنذاراً شديد اللهجة جاء فيه: “لقد باتت إمكانية وصولنا إلى حقبة ما بعد المضادات الحيوية التي تكتسب فيها الالتهابات الشائعة والإصابات الطفيفة قدرة فتاكة إمكانية قريبة جداً من الواقع في القرن الحادي والعشرين بعدما كانت أشبه بخرافة من نسج الخيال.

ولعلّ الشفاعة الوحيدة في هذه المسألة هي أننا ما زلنا قادرين على التحكّم بهذه القضية وتغيير مسارها، وهو الأمر الذي يحتاج إلى تضافر الجهود بين مختلف الجهات المعنية، من الأطباء والمرضى (كما ذكرنا آنفاً) وصولاً إلى صناعة الأغذية والهيئات الحكومية.

لقد باتت إمكانية وصولنا إلى حقبة ما بعد المضادات الحيوية التي تكتسب فيها الالتهابات الشائعة والإصابات الطفيفة قدرة فتاكة إمكانية قريبة جداً من الواقع في القرن الحادي والعشرين.

لا يسعنا غرس رؤوسنا في الرمال بعد اليوم، فمن مصحلتنا جميعاً أن نبدأ بتحمل المسؤولية، وهذا ما أوضحته دراسة أجريت في جامعة آبردين البريطانية في سنة 2010 جاء فيها: “…إنها مسألة تعني الجميع، ففي نهاية المطاف، ثمة احتمال بأن يصاب أي شخص منا بعامل مرضيّ يكون مقاوماً لعلاج المضادات الحيوية.”

المضادات الحيوية في الإمارات العربية المتحدة

تؤكّد النتائج الأولية لبرنامج المراقبة لمقاومة مضاد الميكروبات أن معدّل مقاومة المضادات الحيوية قد بلغ مستويات “مقلقة جداً” هنا في دولة الإمارات. وكشف التقرير عن وجود ثمانية ميكروبات مقاومة لعشرة أنواع من المضادات الحيوية في آنٍ، من بينها البكتيريا الزائفة الزنجارية، وهي من العوامل المرضية الانتهازية الشائعة التي تصيب المسالك الرئوية والبولية، والجروح والأنسجة، وتبين بأن نسبة 64.8 في المئة منها مقاومة لنوعين أو أكثر من مضادات الميكروبات.

ويوافق الباحثون والأطباء والعلماء كذلك على هذه النتائج، ولا غرابة في ذلك. أن هذه التحذيرات المتكررة هي التي تزيد من مأساوية قضية مقاومة المضادات الحيوية. توقع خبراء كثيرون الوصول إلى هذه المرحلة منذ فترة طويلة، أما الآن، “لم يعد الأمر تحليلاً مستقبلياً، بل هو واقع يحدث في أنحاء العالم كافة “، وفقاً ، لمنظمة الصحة العالمية في أول تقرير عالمي لها عن مقاومة مضادات الميكروبات سنة 2014.

وقد يكون أكثر ما يدعو للقلق هو التصاعد المستمر في وتيرة هذه النزعة، حيث تُقدّر الوفيات الناجمة عن الميكروبات المقاومة للمضادات الحيوية اليوم بما يقارب الـ 700 ألف شخص سنوياً حول العالم. ومع ذلك، ووفقاً لإحصاءات معهد راند الأوروبي للبحوث ومؤسسة كاي أم بي جي، قد يستمر هذا العدد في التزايد ليصل إلى 10 ملايين حالة وفاة سنوياً على صعيد العالم بحلول سنة 2050، أي بمعنى آخر، سيؤدي إلى حالة وفاة واحدة كل 3 ثوان.

إن الهدف من هذه الحملة ليس إلقاء اللوم على شخص أو على هيئة بعينها. في الإمارات العربية المتحدة، كما في أي مكان آخر، يكمن الحل لهذه الأزمة في الجهد الجماعي. فيتعين على المرضى والأطباء ضمّ الأيدي وتحمّل المسؤولية معاً، وكذلك صناعة الأغذية والهيئات الصحية والحكومية، بحيث يؤدي كل طرف دوره.

إن الفوائد التي نتجت عن اكتشاف المضادات الحيوية قد وصلت إلى أصقاع العالم كلها، فكانت السيف الذي قطع دابر أمراض متفشية فتكت بالبشرية على مدى قرون طويلة، ولمن المؤسف حقاً أن يحين يوم يصبح فيه الدواء نفسه هو الداء الذي يؤدي إلى تدهور سلامتنا.

[Total: 1    Average: 5/5]
0 ردود

اترك رداً

انضم إلى المحادثة
وشاركنا رأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × واحد =

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.