menopause

ثمة اعتقاد شائع أن مرض القلب التاجي (Coronary heart disease)، وهو سبب الوفاة الأول على مستوى العالم، يصيب الرجال دون النساء، بيد أنه من الخطأ افتراض أن النساء لسن معرّضات للإصابة بمرض القلب التاجي، وخصوصًا النساء اللاتي شارفن على بلوغ سن اليأس أو اللاتي بلغنه بالفعل.

عادةً ما يصيب مرض القلب التاجي النساء في مراحل متأخرة عن الرجال، لكنه يظل السبب الرئيسي لحالات الوفاة بين النساء حول العالم. وكما هو الحال مع أي مرض آخر، فإن الوعي باحتمال تعرضك للإصابة هو أولى خطوات وقايتك من المرض.

من واقع عملي كطبيبة نسائية أتابع المرضى من السيدات في كافة مراحل حياتهن، فإنني أوجّه اهتمامًا خاصًا لمجموعة أبحاث جديدة تشير إلى تزايد خطورة الإصابة بمرض القلب التاجي بين النساء بعد بلوغهن سن اليأس. صحيحٌ أن السن يُعد أحد عوامل احتمالية الإصابة بالمرض، إلا أن العديد من الدراسات قد كشفت عن وجود ارتباط بين جوانب محددة في تلك الفترة العمرية وبين عوامل الخطورة الأخرى المؤكدة للإصابة بمرض القلب التاجي، مثل ضغط الدم والكوليسترول.

 كشفت دراسة هندية أُجريت على 237 سيدة قبل وبعد مرحلة سن اليأس (و263 رجلًا) أن النساء اللاتي بلغن سن اليأس كنّ يعانين من ارتفاع ضغط الدم، وزيادة نبضات القلب، ومستويات الكوليسترول أكثر من الرجال في نفس السن وأكثر من النساء اللاتي لم يبلغن سن اليأس بعد. ويُستدلّ من ذلك على أن التغيرات الهرمونية المصاحبة لبلوغ سن اليأس هي المسؤولة عن زيادة خطر الإصابة بالمرض.

ربما تشعرين بالقلق الآن إذا كنت قد شارفتِ على بلوغ هذه المرحلة في حياتك، لكن لا داعي للخوف. يتمحور تركيزي حول مساعدة النساء للحد من خطر الإصابة بمرض القلب التاجي، وهو ما يمكنك تحقيقه من خلال إجراء بعض التغييرات البسيطة على نمط حياتك. ومما يدعو إلى التفاؤل هنا هو أنك تستطيعين الحفاظ على صحة قلبك بطرق شتّى سواء قبل أو أثناء أو بعد بلوغ سن اليأس.

العلاقة بين سن اليأس وأمراض القلب

من الأهمية بمكان ألا نفكّر في سن اليأس على أنه محنة؛ فهو فترة طبيعية في حياة كل سيدة، وخلاله تضمر الحويصلات المبيضية (المسؤولة عن إنتاج البويضة شهريًا)، ويحدث ذلك عادة بين سن الـ50 و52 عامًا. وكما هو الحال مع مرحلة البلوغ، تحدث في هذه المرحلة أيضًا الكثير من التغيرات الهرمونية أبرزها نقص مستوى الأستروجين – وهو هرمون الصفات الجنسية المسؤول عن تنظيم إنتاج البويضات. نستعرض فيما يلي وصفًا أكثر تفصيلًا لهذه التغيرات المختلفة.

مستويات الأستروجين: يؤدي هرمون الأستروجين وظيفة أخرى لا ترتبط بعملية التكاثر، حيث وجد الباحثون أن الأستروجين يسبّب ارتخاء الطبقة الداخلية من جدران الشرايين (البطانة)، وهو ما يحافظ بدوره على مرونة الأوعية الدموية. ويُعد هذا الدور مهمًا للغاية لأن زيادة سماكة وتصلّب الأوعية الدموية يرتبط بالعديد من أمراض القلب والأوعية الدموية، ومنها على سبيل المثال مرض القلب التاجي والنوبات القلبية. كما كشفت إحدى الدراسات عن زيادة خطر الإصابة بمرض القلب التاجي لدى السيدات اللاتي يعانين من انخفاض مستويات الأستروجين بمعدل سبع مرات عن النساء اللاتي لديهن مستويات أستروجين طبيعية.

 يؤدي هرمون الأستروجين وظيفة أخرى لا ترتبط بعملية التكاثر، حيث وجد الباحثون أن الأستروجين يسبّب ارتخاء الطبقة الداخلية من جدران الشرايين (البطانة).

دهون الجسم: من الآثار الأخرى المترتبة على انخفاض هرمون الأستروجين إعادة توزيع الدهون في الجسم. فخلال سن اليأس، يُعاد توزيع الدهون في جسم المرأة من المناطق المحيطة بالوركين والفخذين إلى المنطقة المحيطة بالبطن. وهذا النوع من توزيع الدهون يُزيد خطر الإصابة بجميع أمراض القلب والأوعية الدموية، لأن الدهون المتراكمة في منطقة البطن تبقى داخل الجسم وتمنع أعضاء الجسم من أداء وظائفها بكفاءة. وتشير الدراسات التي أجريت على سكان منطقة الشرق الأوسط أن زيادة الدهون حول منطقة البطن يمكن أن يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 16% إلى 21%.

الكوليسترول: أثبتت الدراسات أن مستوى الكوليسترول في الدم – وهو أحد عوامل الخطورة الأخرى المرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية – يتغير هو الآخر نتيجة التغيرات الهرمونية التي تحدث خلال سن اليأس. يمكن أن يؤدي ارتفاع مستويات الكوليسترول “الضار” إلى تراكم طبقات الدهون (اللويحات) داخل الشرايين، وهو ما يتسبب بدوره في زيادة سماكة جدران الأوعية الدموية. على العكس من ذلك، يساعد الكوليسترول “النافع” في تخلص الجسم من الكوليسترول “الضار”، ولذا فإن زيادة مستوى الكوليسترول “النافع” يمكن أن تقلل خطر الإصابة بمرض القلب والسكتات. وقد أثبتت بعض الدراسات التي يعود تاريخها إلى ثمانينات القرن الماضي أن سن اليأس يتسبب في خفض مستويات الكوليسترول “النافع” وزيادة مستويات الكوليسترول “الضار” في الجسم.

تحمّل الجلوكوز: يؤثر الأستروجين أيضًا في خلايا البنكرياس التي تفرز هرمون الأنسولين استجابةً لوجود الجلوكوز في الدم. ويؤدي انخفاض مستوى الأستروجين إلى انخفاض مستوى الأنسولين وبالتالي انخفاض تحمل الجلوكوز، وهو أحد عوامل الخطورة الأخرى المرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية.

ضغط الدم: بالمثل، ترتفع مستويات ضغط الدم لدى النساء بعد بلوغ سن اليأس نتيجة زيادة نشاط الأعصاب السيمبثاوية. وتشير دارسة شهيرة اشتملت على ما يقرب من 7000 مشارك إلى أن ارتفاع ضغط الدم يمكن أن يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بين النساء بمعدل 2.5 مرة. كما كشف باحثون ألمان عن أن ضغط الدم يشهد ارتفاعًا ملحوظًا بعد بلوغ سن اليأس، لأن انخفاض مستوى الأستروجين يحفّز نشاط إنزيم الرينين في الدم وهو المسؤول عن التحكم في ضغط الدم.

كيف نقوي مناعتنا ضد الإصابة بأمراض القلب

ذكرنا فيما سبق عددًا من الأمثلة لعوامل الخطورة المرتبطة بمرض القلب التاجي والتي تتأثر بانخفاض مستوى الأستروجين خلال سن اليأس. وتجدر الإشارة إلى وجود عوامل أخرى تساهم في زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب مثل اتباع نظام غذائي ونمط حياة غير صحي. لا شك أنك تشعرين الآن أن حياتكِ معرضة للخطر من عدة جهات، وكأن المرور بسن اليأس وحده ليس كافيًا.

هناك عوامل أخرى تساهم في زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب مثل اتباع نظام غذائي ونمط حياة غير صحي.

لكنني أؤكد على أن هناك الكثير من الأمور التي يمكنك القيام بها لتعزيز وقايتك من المرض، ومنها ما يلي:

زيادة مستويات الأستروجين: أولًا، يمكنك تقليل التغيرات الهرمونية من خلال زيادة مستويات الأستروجين عن طريق “العلاج بالهرمونات البديلة” وهو ما ينقسم إلى نوعين: إما الحصول على الأستروجين فقط أو العلاج بالهرمونات البديلة المركّبة أي التي تحتوي على الأستروجين وهرمون آخر يسمى البروجستوجين. فقد أشار أحد التقارير إلى فائدة العلاج بالهرمونات البديلة المركبة لأغلب السيدات، لأن الأستروجين وحده يمكن أن يزيد من خطورة الإصابة بسرطان الرحم، بينما تقل هذه الخطورة عند إضافة البروجستوجين إلى الأستروجين.

لا يخلو العلاج بالهرمونات البديلة من المخاطر، بما في ذلك تجلّط الدم في القدمين أو الإصابة بسرطان الثدي، إلا أن احتمالية الإصابة بهذه المخاطر ضئيل للغاية. ومع ذلك، يُنصح بمشاورة الطبيب قبل بدء العلاج بالهرمونات البديلة، وقضاء وقت كافٍ في التعرف على الهرمونات المطابقة للهرمونات الطبيعية (bioidenticals) – وهي أحد الأشكال الجديدة من الهرمونات البديلة لها نفس التركيبة الكيميائية الموجودة في الهرمونات الطبيعية، ومن ثمّ يمكن توقع سلوكها داخل الجسم بشكل أفضل علاوةً على أن آثارها الجانبية أقل من العلاج التقليدي بالهرمونات البديلة.

يُعد تقييم استقلاب الأستروجين أحد الوسائل الرئيسية التي يتم الاستعانة بها لزيادة أمان بدائل الأستروجين. فهناك ما يقرب من 10% من المرضى لا يُنصحون بالحصول على هرمونات الأستروجين إذ يقوم الجسم بتحويلها إلى هرمونات مسرطنة، وهكذا يتم إجراء مجموعة من الاختبارات لتحديد ما إذا كان الحصول على الأستروجين الإضافي آمنًا أم لا قبل اختيار خطة العلاج.

تناول الأطعمة المفيدة لصحة القلب: مع زيادة نسبة الكوليسترول “الضار” وانخفاض نسبة الكوليسترول “النافع” بعد بلوغ سن اليأس، يمكنك استعادة النسب الطبيعية لكلا النوعين من خلال إجراء بعض التغييرات على نظامك الغذائي. يمكنك الحصول على المواد الكيميائية المسؤولة عن ضبط مستوى الكوليسترول والمعروفة باسم الستيرولات والستانولات النباتية من خلال تناول عدة أطعمة، منها المكسرات، والبذور، والأسماك الغنية بالزيوت، والفاكهة والخضروات.

الأمر الثاني الذي يمكنك القيام به هو الابتعاد عن الأطعمة التي تتسبب في زيادة الوزن أو زيادة الكوليسترول، وتحديدًا الأطعمة المصنعة التي تحتوي على السكر والكثير من السعرات الحرارية وكذلك الدهون المشبعة. كما ثبت أن تناول الكحول والتدخين يتسببان في زيادة خطورة الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، لذا يُنصح بتقليل تناول الكحول والابتعاد عن التدخين من أجل نمط حياة صحي لقلبك.

الابتعاد عن الأطعمة التي تتسبب في زيادة الوزن أو زيادة الكوليسترول، وتحديدًا الأطعمة المصنعة التي تحتوي على السكر والكثير من السعرات الحرارية وكذلك الدهون المشبعة.

ممارسة الرياضة: المواظبة على ممارسة الرياضة من أفضل الوسائل التي يمكن الاستعانة بها للحد من خطر الإصابة بأمراض القلب في أي مرحلة عمرية. ويمكن للنساء خلال مرحلة سن اليأس حرق الدهون المتراكمة في منطقة البطن وخفض ضغط الدم من خلال ممارسة الرياضة بصورة منتظمة. وتوصي جمعية القلب الأمريكية بممارسة التمارين الرياضية “أيروبيكس” لمدة 40 دقيقة بوتيرة معتدلة إلى مرتفعة الشدة من ثلاث إلى أربع مرات أسبوعيًا.

تناول المكمّلات الغذائية: هناك العديد من المعادن والفيتامينات التي يحتاجها الجسم لموازنة التغييرات التي تحدث عند بلوغ سن اليأس، وأهم هذه العناصر اللازمة لصحة القلب فيتامين “د” وزيوت الأوميجا 3. كشفت الدراسات عن أن تناول فيتامين “د” يمكن أن يؤدي إلى خفض ضغط الدم المرتفع، كما أن نقص فيتامين “د” يرتبط بعوامل الخطورة الأخرى للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، ومن بينها داء السكّري وأمراض الأوعية الدموية مثل النوبات القلبية والسكتات. ينبغي عليك إذن الحصول على فيتامين “د” إذا كنت تعانين من نقصه – وهو احتمال وارد حيث أشار بحث أُجرى مؤخرًا إلى أن أكثر من 50% من مواطني دولة الإمارات العربية المتحدة يعانون من نقص فيتامين “د” بسبب عدم التعرض الكافي لأشعة الشمس التي يحتاجها الجسم لإنتاج الفيتامين. استشيري طبيبك لتتعرفي على أفضل المصادر التي تناسبك للحصول على فيتامين “د” والتي يتم تحديدها بناءً على استجابة جينات الجسم للمواد الغذائية المختلفة أو ما يُعرف باسم “علم الوراثة الغذائي”.

على الجانب الآخر، كشفت العديد من الدراسات – من بينها دراسة كبرى شملت 39044 مريضًا – أن مكملات الأوميجا 3 تساهم في خفض نسب الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية وحالات الوفاة بدرجة كبيرة. لكن لا تنسي استشارة طبيبك قبل البدء في تناول أيّ من تلك المكملات.

الاهتمام بصحتك بعد بلوغ سن اليأس مسؤوليتك وحدك

العلاقة واضحة إذن بين بلوغ سن اليأس والإصابة بأمراض القلب، وذلك بسبب الآثار المترتبة على انخفاض هرمون الأستروجين في الجسم، لكن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن الإصابة بأمراض القلب خلال هذه المرحلة أمر لا مفرّ منه. احرصي على ممارسة التمارين الرياضية، وتقليل الوزن، وتناول الأطعمة الغنية بالعناصر الغذائية والتي تحتوي على نسب عالية من الزيوت غير المشبعة، والفاكهة، والخضروات، وأيضًا ابتعدي عن العادات غير الصحية مثل التدخين وتناول الوجبات السريعة.

والأهم من كل هذا ألا تتركي نفسك فريسة للقلق! فكّري في ممارسة بعض التقنيات المعروفة لتخفيف الشعور بالتوتر مثل الوخز بالإبر، واليوغا، والتأمل، واستخدمي هذه المعرفة كوسيلة لتحسين نمط حياتك ومن ثم تعزيز وقايتك من أمراض القلب. وهكذا ستخرجين من مرحلة سن اليأس في حالة أفضل مما كنت عليها قبل بلوغ تلك المرحلة.

[Total: 1    Average: 3/5]
0 ردود

اترك رداً

انضم إلى المحادثة
وشاركنا رأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

13 + 19 =

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.