thyroid

تؤدي الغدة الدرقية دورًا محوريًا في أداء الجسم لوظائفه المختلفة، حيث تساعد في تنظيم عملية الأيض ومن ثم تؤثر على العديد من الوظائف، منها على سبيل المثال التنفس، والنوم، والحالة المزاجية، والطاقة، والوزن، والهضم. وتشير التقديرات إلى أن 200 مليون شخص حول العالم يعانون من قصور في أداء الغدة الدرقية وأن سيدة واحدة من كل ثماني سيدات ستصاب بأحد أمراض الغدة الدرقية في حياتها. وينتشر مرض الغدة الدرقية على وجه التحديد في منطقة الشرق الأوسط، حيث يصيب حوالي 47% من إجمالي السكان في بعض الدول.

ومما يدعو إلى التفاؤل أنه يمكن علاج معظم أمراض الغدة الدرقية سواء من خلال إجراء بعض التغييرات على نمط الحياة مثل النظام الغذائي أو من خلال العلاج بالهرمونات البديلة.

ما أهمية الغدة الدرقية؟

من واقع عملي كطبيبة متخصصة في صحة النساء، واجهت حالات عديدة من الإصابة بمرض في الغدة الدرقية. وبوجه عام، يحدث أمر واحد من بين ثلاثة أمور: إما فرط في نشاط الغدة الدرقية، أو قصور في نشاطها، أو تضخم الغدة.

فرط النشاط: عند حدوث فرط في نشاط الغدة الدرقية، يتم إفراز كميات كبيرة من هرموني رباعي اليودوثيرونين (T4) وثلاثي اليودوثيرونين (T3)، وهو ما يؤدي بدوره إلى الإسراع من وتيرة أداء عمليات الجسم فيشعر الشخص بالعصبية، والقلق، وزيادة معدل نبضات القلب، والرجفة، والتعرق، وفقدان الوزن، واضطرابات النوم. ويحدث ذلك عادةً بسبب مرض يصيب الجهاز المناعي ويطلق عليه “داء غريفز” أو “الدرّاق الجحوظي”، وفيه يهاجم الجهاز المناعي الغدة الدرقية ويتسبب في إفراز كميات من الهرمون أكثر مما يحتاج الجسم. ورغم أن السبب المؤكد لحدوث “داء غريفز” غير معروف بعد، فإن عدة عوامل مثل الوراثة ونوع الجنس والتوتر والتدخين تؤدي دورًا في الإصابة بالمرض.

قصور النشاط: الحالة الأكثر شيوعًا هي قصور نشاط الغدة الدرقية، وفيها تفرز الغدة كميات قليلة من هرموني رباعي اليودوثيرونين (T4) وثلاثي اليودوثيرونين (T3)، الأمر الذي يؤدي إلى ظهور بعض الأعراض كالإرهاق، والهزال، وزيادة الوزن، والاكتئاب، والإمساك، وسرعة الانفعال، وعدم انتظام الدورة الشهرية، وانخفاض الرغبة الجنسية، والشعور بالبرودة، وفقدان الذاكرة، وتساقط الشعر، وتدهور حالة البشرة، بل وقد يصل الأمر إلى الإصابة بالعقم. فوجود خلل وظيفي في الغدة الدرقية قد يزيد صعوبة الحمل لأن زيادة أو نقص هرمونات الغدة الدرقية يتسبب في قصَر دورة الطمث ويؤثر على البويضات ويُحدث تغييرًا في إفراز هرمونات مثل البرولاكتين والجلوبيولين، وهما من الهرمونات الضرورية لحدوث عملية التبويض بصورة طبيعية.

وجود خلل وظيفي في الغدة الدرقية قد يزيد صعوبة الحمل لأن زيادة أو نقص هرمونات الغدة الدرقية يتسبب في قصَر دورة الطمث ويؤثر على البويضات ويُحدث تغييرًا في إفراز هرمونات مثل البرولاكتين والجلوبيولين، وهما من الهرمونات الضرورية لحدوث عملية التبويض بصورة طبيعية.

في الدول النامية، يحدث قصور نشاط الغدة الدرقية عادةً بسبب نقص عنصر اليود، لكن السبب الأكثر شيوعًا هو حدوث خلل في الجهاز المناعي يُعرف باسم التهاب الغدة الدرقية الهاشيموتي، وفيه يقوم الجسم بمهاجمة الغدة الدرقية ويؤثر سلبًا على كفاءتها في إفراز الهرمونات.

تضخم الغدة الدرقية: يعاني نحو 50% إلى 67% من سكان العالم من ظهور تكتلات غير طبيعية في الغدة الدرقية تُعرف باسم العقيدات الدرقية، ويزداد انتشار هذه الحالة مع التقدم في السن كما أنها تكون أكثر انتشارًا بين النساء. في معظم الحالات، تأخذ هذه العقيدات شكل تكيسات مملوءة بمادة سائلة ومعظمها لا يكون ضارًا. رغم ذلك، فإن نسبة ضئيلة منها – تصل إلى نحو 12% – يمكن أن تكون سرطانية.

نتيجةً لغياب الوعي الكافي بأمراض الغدة الدرقية، فإنه نادرًا ما يتم تشخيص المرض في مراحله المبكرة. وعادةً ما يصاب المرضى بالعديد من الأعراض التي تبدو في ظاهرها غير مترابطة دون أن يكونوا على علم مطلقًا بأن هناك سببًا واحدًا وراء كل تلك الأعراض. فالمريضة التي تعاني من خفقان القلب السريع، أو الشعور بالحرارة، أو ضيق التنفس، أو الأرق، أو الإسهال، أو عدم انتظام الدورة الشهرية، أو تعاني مزيجًا من تلك الأعراض لن تخبر طبيبها على الأرجح أنها بحاجة إلى فحص الغدة الدرقية. وبالمثل، فإن المريضة التي تشعر معظم الوقت بالبرودة، والإرهاق، والإمساك، والاكتئاب غالبًا ما تفترض أن سبب هذه الأعراض هو اضطراب في النوم أو النظام الغذائي أو أنها مجرد أعراض طبيعية للمرحلة العمرية التي تمر بها.

عادةً ما يصاب المرضى بالعديد من الأعراض التي تبدو في ظاهرها غير مترابطة دون أن يكونوا على علم مطلق بأن هناك سببًا واحدًا وراء كل تلك الأعراض.

اكتشاف وعلاج اضطرابات الغدة الدرقية

في العديد من الحالات، لن نحتاج إلا إلى إجراء فحص للدم لقياس مستويات هرمونات الغدة الدرقية. فالمرضى الذين يعانون من فرط في نشاط الغدة الدرقية ستظهر لديهم زيادة في هرموني ثلاثي اليودوثيرونين (T3) ورباعي اليودوثيرونين (T4)، على عكس المرضى الذين يعانون من قصور في نشاط الغدة الدرقية والذين سيظهر لديهم نقص في تلك الهرمونات. وعادةً ما يقوم الأطباء بقياس مستويات الهرمون المحفز للغدة الدرقية وهو المادة التي تحفز إفراز الهرمونات في الغدة.

نتيجةً لتعدد الأعراض المرتبطة بأمراض الغدة الدرقية، يجب على الأطباء أيضًا استبعاد الأمراض الأخرى عند تشخيص الحالة، وهو ما يتضمن إجراء اختبار لنقص الهرمونات الأخرى، مثل الكورتيزول والأستروجين والبروجيستيرون؛ ونقص العناصر الغذائية مثل الحديد وفيتامين “د” واليود والسيلينيوم؛ وكذلك اضطرابات الجهاز المناعي.

العلاقة بين نمط الحياة وأمراض الغدة الدرقية

عند تحديد العوامل المرتبطة بنمط الحياة، مثل سوء التغذية، على أنها السبب في خلل وظائف الغدة الدرقية، يكون تصحيح هذه العوامل كافيًا لعلاج الغدة.

فالتوتر، والتدخين، ونقص العناصر الغذائية مثل الكالسيوم والحديد وفيتامين “د” والسيلينيوم واليود كلها من العوامل المرتبطة بزيادة خطر الإصابة بأمراض الغدة الدرقية. ويمكن تزويد الجسم بتلك العناصر الغذائية من خلال اتباع نظام غذائي محدد أو باستخدام العقاقير العشبية. كما يمكن الحصول على الفيتامينات والمعادن التي يحتاجها الجسم عن طريق تناول المواد الغذائية الغنية بهذه العناصر، ومنها البيض، والأسماك الغنية بالزيوت، والخضروات الورقية، والبقول، والمكسرات، والبذور.

التوتر، والتدخين، ونقص العناصر الغذائية مثل الكالسيوم والحديد وفيتامين “د” والسيلينيوم واليود كلها من العوامل المرتبطة بزيادة خطر الإصابة بأمراض الغدة الدرقية.

إذا لم يكن تغيير نمط الحياة كافيًا لعلاج الخلل في وظيفة الغدة الدرقية، يمكن اللجوء إلى التدخل الطبي، حيث يوصَف للمرضى الذين يعانون من فرط نشاط الغدة الدرقية أدوية تعمل على تقليل إنتاج هرموني ثلاثي اليودوثيرونين (T3) ورباعي اليودوثيرونين (T4).

أما قصور الغدة الدرقية فيمكن علاجه باستخدام طرق العلاج بالهرمونات البديلة لزيادة مستويات هرموني ثلاثي اليودوثيرونين (T3) ورباعي اليودوثيرونين (T4)، وهو علاج تستمر فعاليته مدى الحياة. يتم العلاج بالهرمونات الحيوية المطابقة باستخدام هرمونات تشبه الهرمونات التي تفرزها الغدة الدرقية بصورة طبيعية. ويمكن أن تكون هذه الهرمونات اصطناعية أو يتم استخلاصها من الأنسجة الحيوانية. ومن بين بدائل الهرمونات الاصطناعية الشائعة السيتوميل (T3) والليفوثايروكسين (T4). ويزداد استخدام الليفوثايروكسين عادةً لأن الغدة الدرقية تنتج هرمون رباعي اليودوثيرونين (T4) بكمية أكبر ويتم تحويله إلى ثلاثي اليودوثيرونين (T3) داخل الجسم.

ومن الضروري أن يخضع المرضى للفحوصات اللازمة قبل استخدام أي هرمونات بديلة.

لا داعي للقلق!

يمكن علاج أمراض الغدة الدرقية بسهولة في العديد من الحالات. وكلما زادت المعرفة والوعي بهذه الغدة الحيوية في الجسم، زادت فرصة الحياة الطبيعة والصحية والمفعمة بالحيوية للكثير من النساء.

سوف أختم مقالي بثلاث حقائق بسيطة ومهمة.

أولًا، رغم أن العوامل الوراثية تؤثر على خطورة الإصابة بأمراض الغدة الدرقية، فإن اتباع نمط حياة خال من التوتر وقائم على نظام غذائي متوازن يمكن أن يقلل بدرجة كبيرة خطر الإصابة.

ثانيًا، إذا كنتِ قد تعرضتِ لأي من الأعراض التي ذكرتها سابقًا، فاستشيري طبيبك لتتأكدي مما إذا كانت لهذه الأعراض علاقة بالغدة الدرقية أم لا.

وأخيرًا، لا داعي للقلق، فأمراض الغدة الدرقية شائعة جدًا وهي في الوقت نفسه سهلة العلاج أيضًا. إذا تم تشخصيك مؤخرًا بأحد أمراض الغدة الدرقية، فعليكِ التركيز من الآن فصاعدًا على اتباع نمط حياة أكثر سعادة وصحة.

[Total: 11    Average: 2.4/5]
0 ردود

اترك رداً

انضم إلى المحادثة
وشاركنا رأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × خمسة =

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.