Unhealthy-wheat

إذا كنت تعتمد نظام حمية غذائية تحتوي على ماهو شائع من الطعام مثل الخبز والمعكرونة والأرز، فاعلم بأنك تتناول مجموعة متنوعة من الحبوب كل يوم، وأنت لست الوحيد. لأن هذه الأطعمة شائعة جداً في العالم نظراً لسهولة زراعة مكوناتها في المناخات المختلفة. فعلى الرغم من أن الكثير من الناس يعتمدون على الحبوب للحصول على إحساس بالشبع وإغناء الوجبات بالنكهات الطيبة، إلا أن القليل منهم يدركون الأثر الحقيقي لهذه الحبوب “بالمعنى السلبي للكلمة” على أجسامهم وصحتهم بشكل عام.


أفضل وصف للحبوب أنها حبوب صغيرة جافة تنمو على النباتات التي تنتجها، والأكثر شيوعاً منها الأرز والقمح والذرة والشوفان والشعير، والتي تشكّل الجزء الأكبر من الكربوهيدرات الموجودة في أطباق طعامنا. عندما يتم تناول هذه الحبوب كما هي فإنها تُدعى الحبوب الكاملة، غير أنها في اليوم تخضع عادة لعملية “تكرير” قبل أن تصل إلى رفوف الباعة، إذ تفيد عملية إزالة النخالة المغذية والبذور من الحبوب هذه في تحسين بنيتها، ومنحها إمكانية التخزين لمدة أطول في المتاجر. لذلك فإنك تجد في البقالة المجاورة لمنزلك مواد كالأرز الأبيض والمعكرونة البيضاء والخبز الأبيض (التي خضعت جميعها للمعالجة و”التكرير”) أكثر مما تجد المنتجات الأصلية “الحبوب الكاملة” غير المعالجة من هذه الأغذية.

الحبوب المكررة والمنقاة مقابل الحبوب الكاملة
أدرك الباحثون منذ وقت طويل أن عملية تكرير الحبوب ستجرّدها من معظم المكوّنات الغذائية الموجودة فيها؛ ففي العام 1999 حدّد علماء التغذية أن العملية التي يتم من خلالها تحويل الحبوب الكاملة إلى حبوب مكررة لا تزيل الألياف الغذائية منها فحسب، بل إنها تجرّدها من ما تحتويه من فيتامين ب بأشكاله، ومعادن مثل الحديد والزنك والكالسيوم. علما بأنه قد أجمع العلماء على أن “الحبوب الكاملة” التي لا تخضع ل “لتكرير” تحتوي على عناصر غذائية أكثر من تلك التي يتم “تكريرها”، إلا أن الحبوب غير المكررة” ما تزال تُمثّل تحدياً من الناحية الصحية”.
لماذا؟
لأن جميع الحبوب حتى الحبوب الكاملة غير المُعالجة منها تتكون من الكربوهيدرات بالدرجة الأولى، والعناصر المكونة للكربوهيدرات هي جزيئات السكر.
لنأخذ الأرز على سبيل المثال؛ تشكّل الكربوهيدرات في بعض الحالات ما نسبته 80% من المادة الأساسية للأرز الأبيض وما نسبته 75% من الأرز البري غير المُعالج. فهناك نسبة كبيرة من الكربوهيدرات في كلا النوعين من الأرز، إلا أن وجود الألياف في الأنواع غير المُعالجة منه تعيق تحوّل الكربوهيدرات إلى  السكر داخل جسم الإنسان، أما في الأنواع المُكررة من الأرز و”غيره من الحبوب”، فان عدم وجود الألياف يجعل الجسم قادرا وبسهولة على الوصول إلى الكربوهيدرات الموجودة فيها وتحويلها بسرعة إلى سكر. وبالنتيجة، فإن تناول الحبوب المُكررة من شأنه أن يرفع مستويات السكر في الدم ويُشجع الجسم على فرز الأنسولين، وهو الهرمون الذي يعالج السكر في الدم مُحولاً إياه إلى مواد دسمة.

تشكّل الكربوهيدرات في بعض الحالات ما نسبته 80% من المادة الأساسية للأرز الأبيض، وما نسبته 75% من الأرز البري غير المُعالج

أجريت في العام 2011 مراجعة لثلاث وعشرين دراسة سريرية أظهرت أن الأطعمة التي ترفع بسرعة مستوى السكر في الدم تسبب نوبات جوع وإفراطاً في الطعام وزيادة في الوزن وبدانة، وأظهرت دراسات أخرى أن هذه الأطعمة تزيد من احتمال التعرّض للإصابة بأمراض القلب وداء السكري من النمط الثاني. الحبوب غير المُكررة ليست أقل إشكالية أيضاً، فبالرغم من أن الألياف التي تحتويها تبطئ تأثير الكربوهيدرات على سكر الدم، إلا أن ذلك لا يلغي حقيقة أنها تتحول إلى سكر في الدم تماماً كما هي الحال مع الأطعمة الغنية بالكربوهيدرات. مما يعني أن مستوى السكر في الدم سوف يرتفع ويرتفع معه هرمون الأنسولين، وهو أمر مُضر بشكل كبير بالصحة. (تابع القراءة لمعرفة السبب).

لماذا تسبب الحبوب اضطراباً في سكر الدم

إن أنظمة الحمية الخالية من الحبوب والتي تتسم باحتواءها على  القليل من الكربوهيدرات، تعتبر مرادفة لبرامج فقدان الوزن (مثل حمية آتكينز أو حمية دوكان)، تُظهر الأبحاث أن الحميات الغذائية التي ليس فيها الكثير من الكربوهيدرات مثل الحبوب لا تفيد في فقدان الوزن فحسب، بل بإمكانها تحسين صحة القلب والدماغ. ولقد أجريت هذا العام دراسة بحثت بالتحديد في أثر الكربوهيدرات على الصحة في بلدان الشرق الأوسط، وتوصلت إلى أن سكان هذه البلدان الذين يطبقون أنظمة حمية غذائية غير غنية بالكربوهيدرات يتعرضون أقل من غيرهم لخطر الإصابة بمتلازمة الأيض (وهي مجموعة من الأعراض التي تؤدي إلى زيادة خطر إصابة المرء بأمراض القلب وداء السكري والسكتات الدماغية). وبدقة أكثر، توصل الباحثون إلى أن الاستهلاك القليل للكربوهيدرات من شأنه تحسين مستويات سكر الدم والدهون الثلاثية (الدهون التي تزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب) وضغط الدم والوزن.

وبالنظر إلى دور الأنسولين في جسم الإنسان نجد أن هذه النتائج منطقية. 

تتمثّل الوظيفة الأساسية للأنسولين في إزالة السكر من الدم وتوجيهه إلى الخلايا لتتم الاستفادة منه، أما وظيفته الثانية فهي تحويل السكر الذي لم يتم استخدامه لأغراض الطاقة إلى مواد دسمة يتم تخزينها إما تحت الجلد (ما يؤدي إلى البدانة) أو في الأعضاء الحيوية وفي ما حولها، وهما عاملان من شأنهما أن يزيدا من خطر التعرض لأمراض القلب والأوعية.

تتمثّل الوظيفة الأساسية للأنسولين في إزالة السكر من الدم وتوجيهه إلى الخلايا لتتم الاستفادة منه، أما وظيفته الثانية فهي تحويل السكر الذي لم يستخدم لأغراض الطاقة إلى مواد دسمة.

أشارت الأدلة الإرشاديٌة الطبية هذا العام إلى الأنظمة الغذائية الغنية بالكربوهيدرات على أنها عامل خطورة في ما يتعلق بالإصابة بحالة تسمى مقاومة الأنسولين، وهي حالة لا تستجيب فيها خلايا جسم الإنسان على نحو ملائم لهرمون الأنسولين، ما يؤدي إلى بناء جزيئات الكلوكوز في الدم التي هي من مركبات السكّر؛ عندها يقوم البنكرياس بإنتاج فائض من الأنسولين في محاولة لعكس هذه العملية؛ لكن هذه الوفرة من الأنسولين في الدم تؤدي إلى حدوث الكثير من المشكلات الصحية بما فيها ارتفاع ضغط الدم وزيادة مستوى الكوليسترول فيه وازدياد الوزن والإصابة بداء السكري.

لم تنته القصة بعد.

لقد أثبتت الدراسات -عبر السنين- وجود رابط بين حالة مقاومة الأنسولين والالتهاب المزمن طويل الأمد؛ ولذلك الأمر أهميته، لأن مثل هذا الالتهاب يُمثّل السبب الكامن وراء الأمراض المزمنة الشائعة.

مشكلة الالتهاب

حدد تقرير بريطاني صدر في العام 2015 “الأغذية” كسبب رئيسي للالتهابات المزمنة من الدرجة المنخفضة التي تؤدي في نهاية الأمر إلى الإصابة بأمراض مثل متلازمة الأيض وداء السكري، وهي حالة أصبحت شائعة بشكل متزايد خلال الأعوام الستين المنصرمة. وأظهرت الإحصاءات التي أجريت في الولايات المتحدة لوحدها أن داء السكري أثّر على السكان بنسبة لم تتجاوز 1% في خمسينيات القرن الماضي بينما ارتفعت إلى 7% بحلول العام 2014. وعلى الرغم من أن الجدل ما زال قائماً حول الآلية المحددة التي تتسبب الحبوب من خلالها بحدوث الالتهاب، إلا أن النظرية الأكثر قبولاً تفيد بأن الحبوب التي نتناولها اليوم تختلف بشكل كبير عن الحبوب التي صُمم جسم الإنسان لتناولها وهضمها. ويشرح طبيب الأمراض العصبية الأمريكي ديفيد بيرلموتر في كتابه “Grain Brain” أن الحبوب التي نتناولها اليوم قد نشأت عبر سنين من الاختيار المُحسّن للسلالات التي تُنتج أفضل المحاصيل الممكن، وتكون في الوقت ذاته مقاومة للظروف الجوية المناوئة والحشرات الضارة.

تمت الإشارة إلى “الغلوتين” كأحد أهم أسباب الالتهابات ذات الصلة الوثيقة بتناول الحبوب؛ فالبروتين موجود في العديد من الحبوب لاسيما القمح والشعير والحنطة (العلس) والشوفان والذرة، وباعتبار أن “الغلوتين” مسؤول عن جعل ملمس الأغذية المخبوزة ناعماً وطرياً، تم التوصل إلى إنتاج سلالات من الحبوب التي تحتوي على مستويات من البروتين أعلى من السلالات القديمة. وأغلب الظن أن الجسم البشري لم يُصمم أصلاً للتأقلم مع مثل هذه المستويات المرتفعة من “الغلوتين”، وينعكس ذلك في العدد المتزايد من الناس الذين يعانون من مشكلات في الهضم بعد تناوله. فقد أظهرت الأبحاث على نحو خاص أن ما نسبته 1% من سكان العالم يعانون من عدم تحمّل مناعي ذاتي لمادة “الغلوتين” يُدعى الداء الزلاقي. ويُصاب هؤلاء الأفراد بالتهاب الأمعاء وتضررها بعد تناولهم لأطعمة فيها “غلوتين”، ما يؤدي إلى اعتلال صحتهم نظراً لإصابة أجسامهم بسوء التغذية. ومع أن قلة من الناس فقط هم من يعانون حقيقة من الداء الزلاقي، إلا أن الأبحاث أثبتت وجود حساسية أكثر شيوعاً هي حساسية مفرطة تجاه “الغلوتين” من دون الإصابة حقيقة بالداء الزلاقي.

باعتبار أن “الغلوتين” مسؤول عن جعل ملمس الأغذية المخبوزة ناعماً وطرياً، تم التوصل إلى إنتاج سلالات من الحبوب التي تحتوي على مستويات من البروتين أعلى من السلالات القديمة.

لكن “الغلوتين” ليس العامل الوحيد الموجود في بروتينات الحبوب المرتبط بالالتهاب، “فالليكتينس” هي بروتينات صغيرة توجد بتركيز كبير في الحبوب، ولطالما كانت موضع بحث العلماء نظراً لأنها معروفة بالتسبب بردود أفعال التهابية في جسم الإنسان، ويمكن ربطها بحدوث أضرار لجميع أنواع الخلايا تقريباً. وبالفعل نشر اختصاصي الحساسية “ديفيد فريد” تقريراً في المجلة الطبية البريطانية ذكر فيه أن “الليكتينس” قد تكون مرتبطة بالأمراض الالتهابية مثل التهاب المفاصل الروماتوئيدي وداء السكري.

هذه القدرة التي تتمتع بها الحبوب المعاصرة على إحداث الالتهابات تصبح أكثر سوءاً نتيجة لحقيقة أننا كمجتمع نستهلك أكثر فأكثر من هذه الحبوب، حيث تفيد الإحصاءات بأن التوريد العالمي للحبوب لعامي 2016/2017 كان يتوقع أن يتجاوز 2.5 مليار طن للمرة الأولى في التاريخ. ويؤدي هذا الاستهلاك المتواصل للحبوب إلى إبقاء الجسم البشري في حالة التهاب مستمر، ما يُعتقد أنه يفضي إلى حدوث العديد من الحالات الكارثية التي نعيشها اليوم.

هل نتناول الحبوب أم لا؟ 

إذن هل مفتاح الصحة السليمة هو اعتماد نظام غذائي خالٍ من الحبوب؟

ما يزال ذلك مثاراً للكثير من الجدل بين الأطباء، لكن الإجابة واضحة بالنسبة إلينا: عش من دونها.

هناك الكثير من الأدلة التي تربط ما بين الحبوب (بشكلها المُكرر غير الصحي والحبوب الكاملة الأكثر صحية) من جهة والإصابة بأمراض مثل داء السكري وأمراض القلب والسكتات الدماغية من جهة أخرى؛ حتى إن خبراء مثل “ديفيد بيرلموتر” اقترحوا أنه يمكن ربط بعض الحالات التي لم يُمكن تفسيرها مثل متلازمة التعب والاكتئاب والقلق باستهلاك جميع أنواع الحبوب المعاصرة.

إن الحبوب الكاملة هي بالطبع مصادر للألياف والفيتامينات مثل فيتامين “ب” والمعادن مثل السيلينيوم والبوتاسيوم والماغنيزيوم، لكن إذا كنت غير قادر على التمييز بين ما هو جيد وما هو سيئ في نوع معين من الأغذية، عليك فقط أن تعتبر أن هذا الغذاء ليس جيداً بالنسبة إليك. وفي مثال أكثر وضوحاً، إذا أردت الحصول على كمية من الفيتامين “ك”، لا تتناول كعكة الجزر بل تناول الجزر نفسه.

وفي حال كنت ما زلت غير مُصدّق، عليك فقط أن تتوقف عن تناول الحبوب تماماً وأن تراقب كيف ستبدو أفضل شكلاً وستشعر بأنك أفضل حالاً بسرعة. سيكون هناك بالطبع تراجع وانسحاب، لأن التوقف عن تناول الحبوب ليس بالأمر السهل، ولكن إذا تمكنت من تجاوز الفترة الصعبة، سترى كيف ستصبح الحياة صحية أكثر، وكيف ستتحسن أحوالك أو يحصل حتى شفاء من حالات صحية خطيرة كنت تعاني منها مثل ارتفاع ضغط الدم وداء السكري.

[Total: 0    Average: 0/5]
0 ردود

اترك رداً

انضم إلى المحادثة
وشاركنا رأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

20 + اثنا عشر =

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.