exercising

لا يمارس معظمنا ما يكفي من الرياضة…هذه حقيقة مزعجة لكن لا مفرّ من الاعتراف بها.

تظهر آخر الإحصاءات الصادرة عن المركز الوطني للصحة في أمريكا بأن 49% يقومون بالمقدار الموصى به من التمارين الرياضية البدنية التنفسية (الآيروبيكس) المحدد بنصف ساعة من التمارين المعتدلة معظم الأيام، بينما يقوم خمسهم فقط (ما نسبته21%) بالمقدار الموصى به من الرياضة البدنية التنفسية (الآيروبيكس) ورياضة تقوية العضلات (تمارين القوة في يومين أو ثلاثة أيام أسبوعياً).

ومع أنه بإمكاننا بالتأكيد الاعتماد على حالة أمريكا كنموذج دراسي، إلا أن الحقائق الواردة أعلاه لا تقتصر فقط على أمريكا وإنما تنطبق أيضاً وإلى حد كبير على البلدان الأخرى، إذ تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن بالغاً واحداً من أصل أربعة على مستوى العالم بأسره لا يمارس ما يكفي من الرياضة.

تظهر إحصاءات هيئة الصحة في دبي، هنا في الإمارات العربية المتحدة أن 19% من السكان يمارسون مقداراً كافياً من التمارين الرياضية، مع أن هذا المقدار هو أقل بكثير من المعدّل العالمي. ونحن هنا لا نتحدث عن البقاء في صالات التمارين الرياضية لساعات، فلقد أظهرت دراسة أجرتها جامعة بوسطن عام 2013 أن ممارسة الرياضة لمدة قصيرة لا تتجاوز عشر دقائق يومياً قد تترك أثراً إيجابياً على صحتنا.

تتجاوز الفائدة المحققة من الرياضة حدود محيط خصرنا، فبالإضافة إلى كونها مفيدة لصحة القلب والرئتين، أثبتت الممارسة المنتظمة للرياضة بأنها تؤدي إلى تحسين المزاج ويمكن أن تساعد في علاج بعض الأمراض النفسية والعقلية مثل الاكتئاب. ونذكر على نحو خاص ومهم أن الرياضة تطلق الشرارة لسلسلة من التفاعلات الكيميائية في جسدنا، التي من شأنها أن تحد من الألم وتحفز المشاعر الإيجابية وأحياناً تلك البهجة والتي غالباً ما يُشار إليها بمصطلح “نشوة العدّاء”.

تقارير علمية حول الرياضة والمزاج

ما هي إذاً آلية عمل الرياضة؟ ما تزال هناك حاجة لإجراء الكثير من البحوث والاستقصاءات لمعرفة ذلك، ولكن يمكن الحصول على فكرة أولية من العديد من المصادر، نذكر منها تقرير صدر عام 2014 بعنوان “مراجعة تحليلية وصفية لتأثير الرياضة على عامل التغذية العصبية المستمدة من الدماغ”. هذا العامل طويل الأمد الذي يُختصر اسمه بالأحرف BDNF هو المفتاح. إذ أظهر التقرير “وجود دليل قوي على أن التمارين الرياضية تحسّن الإدراك والمزاج إضافة إلى أدلة سابقة بيّنت أن عامل التغذية العصبية المستمدة من الدماغ يمكن أن يلعب دور الوسيط في تحقيق هذه الآثار”.

في الوقت نفسه، أظهرت عدة دراسات أن الإندوفرين يتفاعل مع الدماغ بطريقة مشابهة للمورفين فيعيق مستقبلات الألم ويقوم بدور المسكن والمهدئ ويخلق شعوراً بالهدوء والإيجابية والتفاؤل بعد الانتهاء من ممارسة الرياضة. ولحسن الحظ، وعلى عكس المورفين، لا يؤدي تفعيل مستقبلات الألم من قبل الإندوفرين إلى حالة الاعتياد.

ليس ذلك هو كل شيء فحسب، فهناك العديد من المواد الكيميائية التي تدخل في الموضوع، من أهمها السيروتونين والدوبامين، التي يؤدي انخفاض مستوياتها إلى سوء المزاج والاكتئاب.

ومهما كانت حقيقة ما يجري داخل أجسامنا، يبدو أن لا خلاف في الحقيقة حول الفوائد المجنية من ممارسة الرياضة؛ فلقد أظهرت دراسة برازيلية نشرتها مجلة “علم النفس العصبي” أن هناك أدلة كثيرة تؤكد أن التمارين الرياضية تضمن العمل الناجح للدماغ”.

كذلك وجدت دراسة نُشرت في “مجلة الطب النفسي وعلم الأعصاب” أن الرياضة تُعتبر طريقة فعّالة في رفع مستويات السيروتونين في الدماغ؛ وخلصت هذه الدراسة تحديداً إلى أنه “يمكن بشكل واضح للتمارين الرياضية التنفسية (الآيروبيكس) أن تعمل على تحسين المزاج”. كما أظهرت دراسة منفصلة من بولندا أن ممارسة الرياضة على نحو منتظم تؤدي إلى تحسين المزاج وحتى أنها تؤدي أيضاً إلى تخفيف أعراض اضطرابات الصحة العقلية مثل الاكتئاب والقلق. وظهرت النتائج نفسها في دراسة قامت بها جامعة ويسكنسن-ماديسن بيّنت أن “التمارين الرياضية بجميع درجاتها تؤدي بشكل كبير إلى تخفيف مشاعر الاكتئاب ولها نفس التأثير سواء كانت التمارين خفيفة أم متوسطة أم عالية الشدة”.

دراسة برازيلية نشرتها مجلة “علم النفس العصبي” أظهرت أن هناك دليلاً واضحاً ومؤكداً على أن التمارين الرياضية تضمن العمل الناجح للدماغ”.

إذاً فالدراسات تبين الفوائد المترتبة من ممارسة الرياضة على تحسين المزاج.

وبعد كل ذلك يبقي السؤال هو: ما كمية التمارين التي يتوجب عليك القيام بها؟

كم من الرياضة علينا أن نمارس؟

إن الإجابة على هذا السؤال الأبدي، تعتمد على عدد من العوامل التي تشمل العمر والقدرة البدنية. وبحسب القاعدة الأساسية المبنية على التجارب الواقعية، توصي دائرة الصحة الوطنية في المملكة المتحدة بقضاء حوالي 150 دقيقة في أداء التمارين الرياضية البدنية المعتدلة أو 75 دقيقة في أداء التمارين الرياضية البدنية القاسية وذلك كل أسبوع. وتُعرِّف هذه الدائرة التمارين الرياضية المعتدلة بأنها أمور مثل المشي السريع أو قيادة الدراجة بسرعة معتدلة، أما التمارين الرياضية القاسية فتشمل الجري البطيء أو السريع أو ركوب الدراجة بسرعة أو القيام بالتمارين الرياضية الجسدية التنفسية (الآيروبيكس).

وللحفاظ على مستوى معقول من اللياقة والصحة الجيدة تُعد ممارسة الرياضة مدة 150 دقيقة أسبوعياً كافية جداً، لكن ومع ذلك يُفضّل القيام بنصف ساعة من التمارين الرياضية المعتدلة كل يوم – إن أمكن- فبالإضافة إلى الفوائد التي تجنيها الصحة بشكل عام، هناك الكثير من الإثباتات على أن المزاج يمكن أن يتحسن خلال دقائق من ممارسة الرياضة وأن تأثيرها يدوم لساعات طويلة من اليوم.

للحفاظ على مستوى معقول من اللياقة والصحة الجيدة تُعتبر ممارسة الرياضة مدة 150 دقيقة أسبوعياً كافية جداً، لكن ومع ذلك يُفضّل -إن أمكن- القيام بنصف ساعة من التمارين الرياضية المعتدلة كل يوم.

طلب الباحثون في جامعة فيرمونت من مجموعة من الطلاب ركوب الدراجة مدة 20 دقيقة بسرعة معتدلة، وطلبوا من مجموعة أخرى عدم القيام بأية تمارين خلال نفس الفترة الزمنية. طُلب بعدها من المشاركين في التجربة من خلال استبيان تم توزيعه عليهم أن يصفوا مشاعرهم وأمزجتهم بعد ساعة ثم بعد ساعتين ثم بعد 4 ساعات ثم بعد 8 ساعات ثم بعد 12 ساعة ثم بعد 24 ساعة. وأفاد أعضاء المجموعة التي قامت بالرياضة بأن أمزجتهم كانت جيدة بعد 4 ساعات و8 ساعات و12 ساعة مقارنة مع أولئك الذين لم يبذلوا أي جهد؛ وبعد أربع وعشرين ساعة أصبح أفراد المجموعتين في نفس الحالة.

وفي دراسة أخرى أجرتها جامعة بولينغ غرين الحكومية وجد الباحثون أن مثل هذا التحسّن في المزاج يمكن أن أن يحدث خلال فترة قصيرة قد لا تتجاوز ربع الساعة، لكن هذا التأثير لا يدوم مع تقدّم الوقت أثناء اليوم، لذلك فإن الممارسة المنتظمة للرياضة هي المفتاح لإحداث تحسّن في المزاج على المدى الطويل.

أما بالنسبة لأنواع التمارين الرياضية التي يتوجب عليك القيام بها، فذلك يعتمد في الحقيقة على ما هو مناسب لك، فكل ما يمكن أن يرفع معدل ضربات القلب مدة 30 دقيقة في الجلسة الواحدة سيكون وافياً بالغرض سواء تحقق ذلك عن طريق المشي أو الجري أو ركوب الدراجة أو السباحة أو الرقص.

انهض وابدأ التحرّك

حتى لو وضعنا جانباً الفوائد المتحققة على الصحة العقلية والجسدية من ممارسة الرياضة، هناك سبب كبير آخر يدفعنا للنهوض والبدء بممارستها: إن الجلوس لفترات طويلة هو أمر مُضرّ بالصحة بشكل لا يُصدق. ولقد أصبح ذلك رائجاً جداً لدرجة أن العديد من العاملين في مجال الصحة عملوا مؤخراً على تعزيز فكرة مفادها أن “ضرر الجلوس يعادل ضرر التدخين”، ومع أنها فكرة مثيرة للجدل إلى أبعد الحدود ولكن هناك إثباتات خلف هذه الرسالة.

العديد من العاملين في مجال الصحة عملوا مؤخراً على تعزيز فكرة مفادها أن “ضرر الجلوس يعادل ضرر التدخين”.

أثبتت دراسات وجود رابط بين الجلوس لفترات طويلة من جهة وضعف الصحة العقلية والجسدية من جهة أخرى، ومن هذه الدراسات دراسة أجرتها جامعة ميسوري، توصلت إلى أنه “قد حان الوقت للنظر إلى الجلوس الطويل على أنه من العوامل الخطيرة المضرة بالصحة”. وباعتبار أن الموظف الإداري العادي يقضي ست ساعات يومياً جالساً، فمن المؤكد أنه أمر يستحق النظر فيه.

نشرت المجلة البريطانية للطب الرياضي عام 2014 دراسة بيّنت أن الجلوس لفترات طويلة أمام الشاشات يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالاكتئاب بنسبة 25%. وليست هذه هي الدراسة الوحيدة التي توصلت إلى مثل هذه النتائج، حيث أثبتت دراسة أخرى أجرتها جامعة ديكين أن من شأن الخمول الجسدي أن يجعل المرء في مزاج سيئ ويفاقم حالة القلق.

هل تحتاج إذاً إلى حافز أقوى؟ إن التأثيرات الجانبية المتعلقة بتعزيز المزاج للرياضة المنتظمة مضافاً إليها الأثر العقلي السلبي للخمول الجسدي يجب أن يكونا كافيين لدفعك للنهوض بسرعة وارتداء حذائك الرياضي.

لذلك انهض وتحرّك واجعل نفسك سعيداً.

[Total: 1    Average: 5/5]
0 ردود

اترك رداً

انضم إلى المحادثة
وشاركنا رأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

13 − 6 =

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.