Doctor patient relationship

تتربع مهنة الطبيب في العادة على رأس المهن المحترمة في العالم، حيث ينظر إلى الطبيب على أنه شخص ناجح ومتفوق، وعادة ما يكون من أوسع الناس دخلاً وأكثرهم احتراماً، بالطبع إلا إذا كنت في فنلندا حيث ينال المعلم راتباً أعلى من الطبيب في موقف حضاري لتكريم المعلم واعتباره، وكذلك في اليابان حيث ينال الطهاة رواتب خيالية، ولم لا؟ فالطعام الجيد هو أفضل طبيب!

ولكن لماذا تهشمت تلك الصورة الرائعة للطبيب؟ وأين غابت صورة الطبيب الإنسان؟

قبل عشر سنوات لم تكن شركات التأمين هي التي تتفاوض مع المريض وفق سيستم من الديجتال لا قلب له ولا مشاعر، كان العلاقة بين الطبيب والمريض مباشرة، قائمة على الثقة والإجلال، وكنا نعرف الطبيب الذي يخصص يوماً أو يومين في الأسبوع للعلاج المجاني، وحين كانت العلاقة بين الطبيب وبين المريض من خلال مكالمة هاتفية، أو زيارة مباشرة، لم تكن حواجز السكرتاريا والرسوم وفتح الملف وشروط شركات التأمين قد فرضت نفسها بين الطبيب والمريض، ولم تكن ثمة حواجز بيروقراطية أو طبقية ولا مكالمات مسجلة ولا نفقات إضافية ترتبط بالشحن والتوصيل، ولا رسائل ذكية تتسلل إلى جهازك الغبي وتفرض عليك مزيداً من الغرامات والرسوم، تترجمها الحواسيب إلى لغة “الباراكود” الصارمة.

العلاقة المأمولة بين الطبيب والمريض تتعرض باستمرار للتهشم، حيث يتوقع المريض من طبيبه نتائج عجائبية، ولا يكتفي بأن يقوم الطبيب بأفضل ما يستطيع بل ينتظر منه الشفاء، على الرغم من أن الأمر يرتبط بالمريض كما يرتبط بالطبيب، فهناك إضافة إلى معارف الطبيب وخبرته واقع سريري للمريض، كما أن الاختبارات والمسار السريري للعلاج مهما كان مستنداً إلى الطب المبرهن فإنه في النهاية عرضة لاستثناءات مستمرة، وينبغي أن لا نتوقع العصمة في عمل الطبيب ولا الحتم في نتائجه.

 

بناء الثقة وعودة الرباط الإنساني

إن الثقة بين الطبيب والمريض هي ما يحتاجه كلاهما، واستعادة العلاقة الضائعة بين الطبيب والمريض هي المفتاح الرئيس لعودة هذه الثقة، ولأجل ذلك يحتاج المرضى إلى وقت مقنع وحميم مع أطبائهم لا تتخلله نظرات الطبيب المسروقة إلى جهاز الكمبيوتر لإجراء المحاسبات المالية وقراءة الشروط التأمينية، يحتاج الطبيب والمريض إلى اتصال العين بالعين، وتبادل الدعاء بطلب العافية من الله تعالى.

المشكلة الرئيسية هي الوقت، ومع ذلك، فإن أرباب العمل الجدد لا يقدرون قيمة الوقت الذي يمنحه الطبيب للمرضى، ومن المؤسف أنهم يعتبرون الطبيب بطيئاً أو كسولاً أو أقل إنتاجية إذا لم يحقق طموحهم في علاج 30 مريضاً يومياً!

وفي مؤشر آخر يتجاهل نظامنا الطبي الحالي المدفوع بالتأمين أهمية زيارة الطبيب للمرضى، ويعتبرها دلعاً لا مبرر له، ولا يدفع لهذه الزيارات إلا القليل، وهكذا فإنه حين يكون الداخل والخارج من الصندوق هو الحكم والغاية فإن علينا أن نتوقع مزيداً من الخدمة السيئة والعلاجات السيئة.

تبدو هذه السياسات المحاسبية أحد الأسباب المهمة لارتفاع معدل دوران الأطباء الذين يواصلون بشكل مستمر تبديل أصحاب العمل أو المستشفيات رغبة في الحصول على عمل أفضل وبيئة أفضل، ويجدر بي أن أذكر انني أقابل عدداً منهم كل أسبوع.

وهكذا فإن هناك صراعاً مستمراً في الطب بين الأطباء والمرضى، وبين الأطباء والإداريين، وبين الأطباء والأطباء، إنه جدل الحياة وتفاعلها، وبوارق الحقائق تأتي من تصادم الأفكار.

وفي النهاية، فإن الأطباء يكسبون رزقاً جيداً بالمقارنة مع الممرضات مثلاً، ولكن الطبيب المثالي لا يزال ينظر إلى عمله الطبي رسالة سامية ونبيلة، وبالطبع فلا يجب أن نتوقع منهم التخلي عن المال، بل العمل بما يحقق لهم الغايتين خدمة الناس والكسب المادي.

ليس ما يهم المريض مقدار ما تعرفه من الطب، بل مقدار ما تمنحه من الوقت والاهتمام، وحين يشعر المريض باهتمامك فإنه سيبارك لك ما تجمعه من المال.

عندما تعطي شخصاً من وقتك، فأنت تعطيه قطعة من حياتك!

د. مازن صواف

[Total: 2    Average: 5/5]
0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × أربعة =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.